فصل: تفسير الآيات رقم (16- 20)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


سورة الأحزاب

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏1‏)‏ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

فقال‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ عبر بأداة التوسط إيماء إلى أن وقت نزول السورة- وهو آخر سنة خمس، غب وقعة الأحزاب- أوسط مدة ما بعد الهجرة إلاحة إلى أنه لم يبق من أمد كمال النصرة التي اقتضاها وصف النبوة الدال على الرفعة إلا القليل وعبر به لاقتضاء مقصود السورة مقام النبوة الذي هو بين الرب وعبده في تقريبه وإعلائه إلى جنابه إذا قرئ بغير همز، وإن قرئ به كان اللحظ إلى إنبائه بالخفي وتفصيله للجلي، وقال الحرالي في كتاب له في أصول الدين‏:‏ حقيقة النبوة ورود غيب ظاهر أي من الحق بالوحي لخاص من الخلق، خفي عن العامة منهم، ثم قد يختص مقصد ذلك الوارد المقيم لذلك الواحد بذاته، فيكون نبياً غير رسول، وقد يرد عليه عند تمام أمره في ذاته موارد إقامة غيره فيصير رسولاً‏.‏ والرتبة الأولى كثيرة الوقوع في الخلق، وهي النبوة، والثانية قليلة الوقوع، فالرسل معشار معشار الأنبياء، وللنبوة اشتقاقان‏:‏ أحدهما من النبأ وهو الخبر، وذلك لمن اصطفي من البشر لرتبة السماع والإنباء فنبئ ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما نبيء به ولا ما نبأ فيكون حامل علم، والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو، وذلك لمن أعلى عن رتبة النبأ إلى رتبة العلم‏.‏ فكان مطلعاً على علم ما ورد عليه من الغيب على حقيقته وكماله، فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى رتبة سماع، كان نبيئاً بالهمز، ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك كان نبياً غير مهموز، فآدم عليه السلام مثلاً في علم الأسماء نبي بغير همز، وفي ما وراءه نبيء بهمز، وكذلك إبراهيم عليه السلام فيما أرى من الملكوت نبي غير مهموز وفيما وراءه نبئ بهمز- انتهى- ولم يناده سبحانه باسمه تشريفاً لقدره، وإعلاء لمحله، وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف من جهة أخرى، وهي تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه، وقطعاً لشبه التعنت‏.‏

ولما ناداه سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط، أمره بالخوف فقال‏:‏ ‏{‏اتق الله‏}‏ أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه لذي الجلال كله والإكرام، لئلا تلتفت إلى شيء سواه، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال، والعظمة والكمال‏.‏

ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود، أتبعه النهي عن الالتفات نحو العدو والحسود‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏ولا تطع الكافرين‏}‏ أي الممانعين ‏{‏والمنافقين‏}‏ أي المصانعين في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح لائح خوف أو برق بارق رجاء، ولا سيما سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي يكون فيها الفتح، فإنهم إنما يطلبون ذلك استهزاء، قال أبو حيان‏:‏ وسبب نزولها أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود، فتابعه ناس منهم على النفاق، وكان يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح من طرق المخادعة، فنزلت تحذيراً له منهم، وتنبيهاً على عداوتهم- انتهى ثم علل الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم، فقال ملوحاً إلى أن لهم أغواراً في مكرهم ربما خفيت عليه صلى الله عليه وسلم، وأكد ترغيباً في الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي بعظيم كماله وعز جلاله ‏{‏كان‏}‏ أزلاً وأبداً ‏{‏عليماً‏}‏ شامل العلم ‏{‏حكيماً‏}‏ بالغ الحكمة فهو لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه، وأحكم إصلاح الحال فيه‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه‏:‏ افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه، ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين، واتباعه ما يوحي إليه، تنزيهاً لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة، وأمراً له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه ‏{‏والله يقول الحق وهو يهدي السبيل‏}‏ ولما تحصل من السورتين من الإشارة إلى السوابق ‏{‏ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 13‏]‏ كان ذلك مظنة لتأنيس نبي الله صلى الله عليه وسلم وصالحي أتباعه، ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة المضمنة من التأنيس والبشارة ما يجري على المعهود من لطفه تعالى وسعة رحمته، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى، وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله، وإيضاح دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كان عليه السلام قد نزه الله قدره على أن يكون منه خلاف التقوى، وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعلي منصبه، ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح عن محمود صفاتهم، ومنه ‏{‏محمد رسول الله والذين معه‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏- الآيات، فذكر صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، ومهما كان الأمر والنهي، عدل في الغالب إلى الأعم، ومنه ‏{‏يا أيها النبي اتق الله‏}‏ ‏{‏يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 65‏]‏ ‏{‏يا أيها النبي إذا طلقتم النساء‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 1‏]‏ ‏{‏يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 1‏]‏ ‏{‏يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 73‏]‏ ‏{‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات‏}‏ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 12‏]‏ وقد تبين في غير هذا، وأن ما ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ فوجه هذا أن قوله سبحانه ‏{‏وإن لم تفعل فما بلغت رسالته‏}‏ موقعه شديد، فعودل بذكره صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة لضرب من التلطف، فهو من باب

‏{‏عفا الله عنك لم أذنت لهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 43‏]‏ وفيه بعض غموض، وأيضاً فإنه لما قيل له «بلغ» طابق هذا ذكره بالرسالة، فإن المبلغ رسول، والرسول مبلغ، ولا يلزم النبي أن يبلغ إلا أن يرسل، وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 41‏]‏ فأمره وإن كان نهياً أوضح من الأول، لأنه تسلية له عليه السلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه، فبابه راجع إلى ما يرد مدحاً مجرداً عن الطلب، وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا‏.‏ ولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه عليه السلام من هذا الأمر بعلي حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين فنزهن عن أن يكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصاً وإجلالاً لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما رأى المؤمنون الأحزاب‏}‏- الآية، فنزههم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون معتقداتهم وجليل إيمانهم ‏{‏قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً‏}‏ والآية بعد ذلك، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من المؤمنين رجال صدقوا‏}‏- الآية، ومنها ‏{‏يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن‏}‏ فنزههن سبحانه وبين شرفهن على من عداهن، ومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم ‏{‏إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت‏}‏ الآية، ومنها الأمر بالحجاب ‏{‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن‏}‏ فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب، وصانهن عن التبذل والامتهان، ومنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى‏}‏ فوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن والغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم، إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً‏}‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً‏}‏- إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أجراً كريماً‏}‏ وقوله تعالى ‏{‏إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن المسلمين والمسلمات‏}‏- إلى قوله‏:‏ ‏{‏وأجراً عظيماً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً‏}‏- إلى قوله‏:‏ ‏{‏عظيماً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وكان الله غفوراً رحيماً‏}‏ وقوله تعالى مثنياً على المؤمنين بوفائهم وصدقهم ‏{‏ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله‏}‏- إلى قوله‏:‏ ‏{‏وما بدلوا تبديلاً‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإثماً مبيناً‏}‏ وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر سورة الخوف الحاصل من سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيساً لا رفعاً ومن هذا القبيل أيضاً ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين خلاصهم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم‏}‏- إلى قوله‏:‏ ‏{‏هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وكان الله على كل شيء قديراً‏}‏ وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد من دليل قصدها وبيانها على ما وضح الحمد لله ولما كان حاصلها رحمة ولطفاً ونعمة، لا يقدر عظيم قدرها، وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها، أعقب بما ينبغي من الحمد يعني أول سبأ- انتهى‏.‏

ولما كان ذلك مفهماً لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر‏.‏ وكان الكافر ربما دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق، قيده بقوله‏:‏ ‏{‏واتبع‏}‏ أي بغاية جهدك‏.‏

ولما اشتدت العناية هنا بالوحي، وكان الموحي معلوماً من آيات كثيرة، بني للمفعول قوله‏:‏ ‏{‏ما يوحى‏}‏ أي يلقى إلقاء خفياً كما يفعل المحب مع حبيبه ‏{‏إليك‏}‏ وأتى موضع الضمير بظاهر يدل على الإحسان في التربية لينوي على امتثال ما أمرت به الآية السالفة فقال‏:‏ ‏{‏من ربك‏}‏ أي المحسن إليك بصلاح جميع أمرك، فمهما أمرك به فافعله لربك لا لهم، ومهما نهاك عنه فكذلك، سواء كان إقبالاً عليهم أو إعراضاً عنهم أو غير ذلك‏.‏

ولما أمره باتباع الوحي، رغبة فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن مكرهم خفي، فقال مذكراً بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء الحسنى زيادة في التقوية على الامتثال، مؤكداً للترغيب كما تقدم، وإشارة إلى أنه مما يستبعده بعض المخاطبين في قراءة الخطاب لغير أبي عمرو‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي بعظمته وكماله ‏{‏كان‏}‏ دائماً ‏{‏بما تعملون‏}‏ أي الفريقان من المكايد وإن دق ‏{‏خبيراً‏}‏ فلا تهتم بشأنهم، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم، وعلى قراءة أبي عمرو بالغيب يكون هذا التعليل حثاً على الإخلاص، وتحقيقاً لأنه قادر على الإصلاح وإن أعيى الخلاص، ونفياً لما قد يعتري النفوس من الزلزال، في أوقات الاختلال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 5‏]‏

‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏3‏)‏ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ‏(‏4‏)‏ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

ولما كان الآدمي موضع الحاجة إلى تعظيم الترجية قال‏:‏ ‏{‏وتوكل‏}‏ أي دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها ‏{‏على الله‏}‏ المحيط علماً وقدرة، ولتكرير هذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء في هذا المقام شأن لا يخفى كما أشير إليه‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فإنه يكفيك في جميع ذلك، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وكفى بالله‏}‏ أي الذي له الأمر كله على الإطلاق ‏{‏وكيلاً *‏}‏ أي إنه لا أكفى منه لكل من وكله في أمره، فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى شيء لأنه ليس لك قلبان تصرف كلاً منهما إلى واحد‏.‏

ولما كان النازع إلى جهتين والمعالج لأمرين متباينين كأنه يتصرف بقلبين، أكد أمر الإخلاص في جعل الهم هماً واحداً فيما يكون من أمور الدين والدنيا، وفي المظاهرة والتبني وكل ما شابهها بضرب المثل بالقلبين- كما قال الزهري، فقال معللاً لما قبله بما فيه من الإشارة إلى أن الآدمي مع قطع النظر عن رتبة النبوة موضع لخفاء الأمور عليه‏:‏ ‏{‏ما جعل الله‏}‏ أي الذي له الحكمة البالغة، والعظمة الباهرة، وليس الجعل إلا له ولا أمر لغيره ‏{‏لرجل‏}‏ أي لأحد من بني آدم الذين هم أشرف الخلائق من نبي ولا غيره، وعبر بالرجل لأنه أقوى جسماً وفهماً فيفهم غيره من باب الأولى؛ وأشار إلى التأكيد بقوله‏:‏ ‏{‏من قلبين‏}‏ وأكد الحقيقة وقررها، وجلاها وصورها لما قد يظن الإنسان من أنه يقدر على صرف النفس إلى الأمور المتخالفة كما يفعل المنافق، بقوله‏:‏ ‏{‏في جوفه‏}‏ أي حتى يتمكن من أن ينزع بكل قلب إلى جهة غير الجهة التي نزع إليها القلب الآخر لأن ذلك مودِّ إلى خراب البدن لأن القلب مدبره بإذن الله تعالى، واستقلال كل بالتدبير يؤدي إلى الفساد كما مضى في دليل التمانع سواء؛ قال الرازي في اللوامع‏:‏ القلب كالمرآة مهما حوذي به جانب القدس أعرض عن جانب الحس، ومهما حوذى به جانب الحس أعرض عن جانب القدس، فلا يجتمع الإقبال على الله وعلى ما سواه- انتهى‏.‏ وحاصل ذلك أنه تمهيد لأن التوزع والشرك لا خير فيه، وأن مدبر الملك واحد كما أن البدن قلب واحد، فلا التفاف إلى غيره، وأن الدين ليس بالتشهي وجعل الجاعلين، وإنما هو بجعله سبحانه، فإنه العالم بالأمور على ما هي عليه‏.‏

ولما كان كل من المظاهرة والتبني نازعاً إلى جهتين متنافيتين، وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار طلاقاً مؤبداً لا رجعة فيه- كما نقله ابن الملقن في عمدة المنهاج عن صاحب الحاوي، وكان المخاطبون قد أعلاهم الوعظ السابق إلى التأهل للخطاب، لفت سبحانه القول إليه على قراءة الغيب في «يعلمون» لأبي عمرو فقال‏:‏ ‏{‏وما جعل أزواجكم‏}‏ أي بما أباح لكم من الاستمتاع بهن من جهة الزوجية؛ ثم أشار إلى الجهة الأخرى بقوله‏:‏ ‏{‏اللائي تظاهرون منهن‏}‏ أي كما يقول الإنسان للواحدة منهن‏:‏ أنت عليّ كظهر أمي ‏{‏أمهاتكم‏}‏ بما حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك على التأييد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها، لأنه لا يكون لرجل أمان، ولو جعل ذلك لضاق الأمر، واتسع الخرق، وامتنع الرتق ‏{‏وما جعل أدعياءكم‏}‏ بما جعل لهم من النسبة والانتساب إلى غيركم ‏{‏أبناءكم‏}‏ بما جعلتم لهم من الانتساب إليكم ليحل لهم إرثكم، وتحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء، ولا يكون لابن أبوان، ولو جعل ذلك لضاعت الأنساب، وعم الارتياب، وانقلب كثير من الحقائق أيّ انقلاب، فانفتح بذلك من الفساد أبواب أيّ أبواب، فليس زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الذي تبنيته ابناً لك أيها النبي بتبنيك له جزاء له باختياره لك على أبيه وأهله، وهذا توطئة لما يأتي من قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش مطلقة زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قال المنافقون كما حكاه البغوي وغيره‏:‏ تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وبين أن التبني إنما هو مجاز، وأن المحرم إنما هو زوجة الابن الحقيقي وما ألحق به من الرضاع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تبنى زيداً بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ‏{‏ادعوهم لآبائهم‏}‏‏.‏

لما أبطل سبحانه، استأنف الإخبار عما مضى من عملهم فيه فقال‏:‏ ‏{‏ذلكم‏}‏ أي القول البعيد عن الحقيقة، وأكد هذا بقوله‏:‏ ‏{‏قولكم بأفواهكم‏}‏ أي لا حقيقة له وراء القول وتحريك الفم من غير مطابقة قلوبكم، فإن كل من يقول ذلك لا يعتقده، لأن من كان له فم كان محتاجاً، ومن كان محتاجاً كان معرضاً للنقائص كان معرضاً للأوهام، ومن غلبت، عليه الأوهام كان في كلامه الباطل ‏{‏والله‏}‏ أي المحيط علمه وقدرته وله جميع صفات الكمال ‏{‏يقول الحق‏}‏ أي الكامل في حقيته، الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه، فلا قدرة لأحد على نقضه فإن أخبر عن شيء فهو كما قال، ليس بين الخبر والواقع من ذلك المخبر عنه شيء من المخالفة، وإن أتى بقياس فرع على أصل لم يستطع أحد إبداء فرق، فإن أقواله سبحانه سابقة على الواقع لأنها مصدرة فيها بكون، فإذا قال قولاً وجد مضمونه مطابقاً لذلك القول، فإذا طبقت بينهما كانا سواء، فكان ذلك المضمون ثابتاً كما كان ذلك الواقع ثابتاً، فكان حقاً، هكذا أقواله على الدوام، لأنه منزه سبحانه عن النقائص فلا جارحة ثم ليكون بينها وبين معد القول مخالفة من فم أو غيره وعن كل ما يقتضي حاجة، فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر الفم أولاً دليلاً على نفيه ثانياً والحق ثانياً دليلاً على ضده الباطل أولاً، وسرّ ذلك أنه ذكر ما يدل على النقص في حقنا، وعلى الكمال في حقه، ودل على التنزيه بالإشارة ليبين فهم الفهماء وعلم العلماء ‏{‏وهو‏}‏ أي وحده من حيث قوله الحق ‏{‏يهدي السبيل *‏}‏ أي الكامل الذي من شأنه أن يوصل إلى المطلوب إن ضل أحد في فعل أو قول، فلا تعولوا على سواء ولا تلتفتوا أصلاً إلى غيره‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ فما تقول‏؟‏ اهدنا إلى سبيل الحق في ذلك، أرشد إلى أمر التبني إشارة إلى أنه هو المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره التي هي المقصودة بالذات بقوله‏:‏ ‏{‏ادعوهم‏}‏ أي الأدعياء ‏{‏لآبائهم‏}‏ أي إن علموا ولداً قالوا‏:‏ زيد بن حارثة؛ ثم علله بقوله‏:‏ ‏{‏هو‏}‏ أي هذا الدعاء ‏{‏أقسط‏}‏ أي أقرب إلى العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبني والإحسان إليه ‏{‏عند الله‏}‏ أي الجامع لجميع صفات الكمال، فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ما هو أقرب إلى الكمال، وفي هذا النسبة إلى ما مضى بعض التنفيس عنهم، وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة إلى مجموع القولين المتقدمين‏.‏

ولما كانوا قد يكونون مجهولين، تسبب عنه قوله‏:‏ ‏{‏فإن لم تعلموا آباءهم‏}‏ لجهل أصلي أو طارئ ‏{‏فإخوانكم في الدين‏}‏ إن كانوا دخلوا في دينكم ‏{‏ومواليكم‏}‏ أي أرقاؤكم مع بقاء الرق أو مع العتق على كلتا الحالتين، ولذا قالوا‏:‏ سالم مولى أبي حذيفة‏.‏ ولما نزل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام»- أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما‏.‏

ولما كانت عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم، أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ، وساقه على وجه يعم ما بعد النهي أيضاً فقال‏:‏ ‏{‏وليس عليكم جناح‏}‏ أي إثم وميل واعوجاج، وعبر بالظرف ليعيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثماً، ولكنه عفا عنه فقال‏:‏ ‏{‏فيما أخطأتم به‏}‏ أي من الدعاء بالنبوة والمظاهر أو في شيء قبل النهي أو بعده، ودل قوله‏:‏ ‏{‏ولكن ما‏}‏ أي الإثم فيما ‏{‏تعمدت قلوبكم‏}‏ على زوال الحرج أيضاً فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان أو سبق اللسان، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يعتمده بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينه المعتمد‏.‏

ولما كان هذا الكرم خاصاً بما تقدمه، عم سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏وكان الله‏}‏ أي لكونه لا أعظم منه ولا أكرم منه ‏{‏غفوراً رحيماً *‏}‏ أي من صفته الستر البليغ على المذنب النائب، والهداية العظمية للضال الآئب، والإكرام بإيتاء الرغائب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏6‏)‏ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏7‏)‏ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏8‏)‏‏}‏

ولما نهى سبحانه عن التبني، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالاً على أن الأمر أعظم من ذلك‏:‏ ‏{‏النبي‏}‏ أي الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال، ويرفعه دائماً في مراقي الكمال، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال ‏{‏أولى بالمؤمنين‏}‏ أي الراسخين في الإيمان، فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية ‏{‏من أنفسهم‏}‏ فضلاً عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني، فأيّ حاجة له إلى السبب الجسماني ‏{‏وأزواجه‏}‏ أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته ‏{‏أمهاتهم‏}‏ أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء، لأنه لا محذور من جهة النساء، وذلك في الحرمة والإكرام، والتعظيم والاحترام، وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الإحكام، والتعظيم بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلاً، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص، لأن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده، وهو حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو إذا جعل شيئاً كان، لأن الأمر أمره والخلق خلقه، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم ‏{‏ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 14‏]‏ روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم ‏{‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏}‏ فأيما مؤمن ترك مالاً فلترثه عصبته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتي وأنا مولاه»‏.‏

ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها، ونهى عن التشتت والتشعب، وكان من ذلك أمر التبني، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديماً من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الأمر محتاجاً إليها، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال، وهي قبل هذه السورة ترتيباً ونزولاً، وكان ما ذكر هنا فرداً داخلاً في عموم العبارة في تلك الآية، أعادها منا تأكيداً وتنصيصاً على هذا الفرد للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل وزيادة فقال‏:‏ ‏{‏وأولوا الأرحام‏}‏ أي القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها ‏{‏بعضهم أولى‏}‏ بحق القرابة ‏{‏ببعض‏}‏ في جميع المنافع العامة للدعوة والإرث والنصرة والصلة ‏{‏في كتاب الله‏}‏ أي قضاء الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وحكمه كما تقدم في كتابكم هذا، وكما أشار إليه الحديث الماضي آنفاً‏.‏

ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة، بين المفصل عليه فقال‏:‏ ‏{‏من‏}‏ أي هم أولى بسبب القرابة من ‏{‏المؤمنين‏}‏ الأنصار من غير قرابة مرجحة ‏{‏والمهاجرين‏}‏ المؤمنين من غير قرابة كذلك، ولما كان المعنى‏:‏ أولى في كل نفع، استثنى منه على القاعدة الاستثناء من أعم العام قوله، لافتاً النظم إلى أسلوب الخطاب ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون بالرسوخ في الإيمان الذي مضى ما دل عليه في آية الأولوية من التعبير بالوصف، فيحثهم ذلك على فعل المعروف‏:‏ ‏{‏إلا أن تفعلوا‏}‏ أي حال كونكم موصلين ومسندين ‏{‏إلى أوليائكم‏}‏ بالرق أو التبني أو الحلف في الصحة مطلقاً وفي المرض من الثلث تنجيراً أو وصية ‏{‏معروفاً‏}‏ تنفعونهم به، فيكون حينئذ ذلك الولي مستحقاً لذلك، ولا يكون ذو الرحم أولى منه، بل لا وصية لوارث‏.‏

ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله، أعاد التنبيه على ذلك تأكيداً قلعاً لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال مستأنفاً‏:‏ ‏{‏كان ذلك‏}‏ أي الحكم العظيم ‏{‏في الكتاب‏}‏ أي القرآن في آخر سورة الأنفال ‏{‏مسطوراً *‏}‏ بعبارة تعمه، قال الأصبهاني‏:‏ وقيل‏:‏ في التوارة، لأن في التوراة‏:‏ إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه، وميراثه لذوي قرابته، فالآية من الاحتباك‏:‏ أثبت وصف الإيمان أولاً دليلاً على حذفه ثانياً ووصف الهجرة ثانياً دليلاً على حذف النصرة أولاً‏.‏

ولما كان نقض العوائد وتغيير المألوفات مما يشق كثيراً على النفوس، ويفرق المجتمعين، ويقطع بين المتواصلين، ويباعد بين المتقاربين، قال مذكراً له صلى الله عليه وسلم بما أخذ على من قبله من نسخ أديانهم بدينه، وتغيير مألوفاتهم بإلفه، ومن نصيحة قومهم بإبلاغهم كل ما أرسلوا به، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لأنه أدعى إلى قبول الأوامر‏:‏ ‏{‏وإذا‏}‏ فعلم أن التقدير‏:‏ اذكر ذلك- أي ما سطرناه لك قبل هذا في كتابك، واذكر إذ ‏{‏أخذنا‏}‏ بعظمتنا ‏{‏من النبيين ميثاقهم‏}‏ في تبليغ الرسالة في المنشط والمكره، وفي تصديق بعضهم لبعض، وفي اتباعك فيما أخبرناك به في قولنا ‏{‏لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 81‏]‏ وقولهم‏:‏ أقررنا‏.‏

ولما ذكره ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما يأمرهم سبحانه به من إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه، ذكره ما أخذ عليه من العهد في التبليغ فقال‏:‏ ‏{‏ومنك‏}‏ أي في قولنا في هذه السورة ‏{‏اتق الله واتبع ما يوحى إليك‏}‏ وفي المائدة ‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس‏}‏

‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏ فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل، ولما أتم المراد إجمالاً وعموماً، وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئاً به بياناً لتشريفه ولأنه المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي لأجل التبني وغيره، أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع تأكيداً للأمر وتعظيماً للمقام، لأن من علم له شركاً في أمر اجتهد في سبقه فيه ورتبهم على ترتيبهم في الزمان لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم، بل التآسية بالمتقدمين والمتأخرين فقال‏:‏ ‏{‏ومن نوح‏}‏ أول الرسل إلى المخالفين ‏{‏وإبراهيم‏}‏ أبي الأنبياء ‏{‏وموسى‏}‏ أول أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل ‏{‏وعيسى ابن مريم‏}‏ ختامهم، نسبه إلى أمه مناداة على من ضلَّ فيه بالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة؛ ثم زاد في تأكيد الأمر وتعظيمه تعظيماً للموثق فيه، وإشارة إلى مشقته، فقال مؤكداً بإعادة العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن المالوف‏:‏ ‏{‏وأخذنا منهم‏}‏ أي بعظمتنا في ذلك ‏{‏ميثاقا غليظاً‏}‏ استعارة من وصف الأجرام العظام كناية عن أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا‏.‏

ولما كان الأخذ على النبيين في ذلك اخذاً على أممهم، وكان الكفر معذباً عليه من غير شرط، والطاعة مثاباً عليها بشرط الإخلاص علله، معبراً بما هو مقصود السورة فقال ملتفتاً إلى مقام الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا طال استأنس المخاطب‏:‏ ‏{‏ليسأل‏}‏ أي يوم القيامة ‏{‏الصادقين‏}‏ أي في الوفاء بالعهد ‏{‏عن صدقهم‏}‏ هل هو لله خالصاً أو لا، تشريفاً لهم وإهانة وتبكيتاً للكاذبين، ويسأل الكافرين عن كفرهم ما الذي حملهم عليه، والحال أنه أعد للصادقين ثواباً عظيم ‏{‏وأعد للكافرين‏}‏ أي الساترين لإشراق أنوار الميثاق ‏{‏عذاباً أليماً‏}‏ فالآية، من محاسن رياض الاحتباك، وإنما صرح بسؤال الصادق بشارة له بتشريفه في ذلك الموقف العظيم، وطوى سؤال الكفار إشارة إلى استهانتهم بفضيحة الكذب ‏{‏ويحلفون على الكذب وهو يعلمون‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏فيحلفون له كما يحلفون لكم‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 18‏]‏ وذكر ما هو أنكى لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ‏(‏9‏)‏ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ‏(‏10‏)‏‏}‏

ولما أكد سبحانه وجوب الصدع بكل أمره وإن عظمت مشقته وزادت حرقته من غير ركون إلى مؤالف موافق، ولا اهتمام بمخالف مشاقق، اعتماداً على تدبيره، وعظيم أمره في تقديره، ذكرهم بدليل شهودي هو أعظم وقائعهم في حروبهم، وأشد ما دهمتهم من كروبهم، فقال معلماً أن المقصود بالذات بما مضى من الأوامر الأمة- وإنما وجه الأمر إلى الإمام ليكون أدعى لهم إلى الامتثال فإن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم تكويني بمنزلة ما يقول الله تعالى له ‏{‏كن‏}‏ فحقيقة الإرادة لا الأمر، والأمر للذين آمنوا تكفيلي‏.‏ وقد يراد منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد، وللناس احتجاجي أي تقام به عليهم الحجة، ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف المأمور به‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ أي أقروا بالإيمان، عبر به ليعم المنافقين ‏{‏اذكروا‏}‏ ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم فقال‏:‏ ‏{‏نعمة الله‏}‏ عبر بها لأنها المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك الأعلى الذي لا كفوء له ‏{‏عليكم‏}‏ أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ملتفتين إلى خلاف أحد كائناً من كان، فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر لهم وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال‏:‏ ‏{‏إذ‏}‏ أي حين ‏{‏جاءتكم‏}‏ أي في غزوة الخندق حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان النبي صلى الله عليه وسلم ضربه حين سمع بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على جانبي سلع من شماليه، وخطه وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعاً، وكانوا ثلاثة آلاف، فكان الخندق اثني عشر ألف ذراع ‏{‏جنود‏}‏ وهم الأحزاب من قريش ومن انضم إليه من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان ابن حرب، ومن انضم من قبائل العرب من بني سليم يقودهم أبو الأعور، ومن بني عامر يقودهم عامر بن الطفيل، ومن غطفان يقودهم عيينة بن حصن، ومن بني أسد يقودهم طليحة بن خويلد، ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ومن بني النضير ورؤساهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق، وهم الذين جمعوا الأحزاب بسبب إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير من المدينة الشريفة، وأفسدوا أيضاً بني قريظة، وكانوا بالمدينة الشريفة وسيدهم كعب بن أسد، فكان الجميع اثني عشر الفاً، وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون وقد بقي للإسلام باقية، ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية‏.‏

ولما كان مجيء الجنود مرهباً، سبب عنه عوده إلى مظهر العظمة فقال‏:‏ ‏{‏فأرسلنا‏}‏ أي تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ليمنعهم من سهولة الوصول إليكم، ثم لما طال مقامهم أرسلنا بما لنا من العظمة ‏{‏عليهم‏}‏ أي خاصة ‏{‏ريحاً‏}‏ وهي ربح الصبا، فأطفأت نيرانهم‏.‏

وأكفأت قدورهم وجفانهم، وسفت التراب في وجوههم، ورمتهم بالحجارة وهدت خيامهم، وأوهنت ببردها عظامهم، وأجالت خيلهم ‏{‏وجنوداً لم تروها‏}‏ يصح أن تكون الرؤية بصرية وقلبية، منها من البشر نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه هداه الله للإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إنه لم يعلم أحد بإسلامي، فمرني يا رسول الله بأمرك‏!‏ فقال‏:‏ «إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة، فخذل عنا مهما استطعت» فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن قال لليهود وكانوا أصحابه‏:‏ إن هؤلاء- يعني العرب- إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين‏.‏ وليس حالكم كحالهم، البلد بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم، فقالوا‏:‏ أشرت بالرأي، فقال‏:‏ فاكتموا عني، وقال لقريش‏:‏ قد علمتم صحبتي لكم وفراقي لمحمد، وقد سمعت أمراً ما أظن أنكم تتهمونني فيه، فقالوا‏:‏ ما أنت عندنا بمتهم، قال‏:‏ فاكتموا عني، قالوا‏:‏ نفعل، قال‏:‏ إن اليهود قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه‏:‏ إنا قد ندمنا فهل ينفعنا عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم، ونكون معك على بقيتهم، حتى تفرغ منهم لتكف عنا‏.‏ وتعيد لنا الأمان، قال‏:‏ نعم، فإن أرسلوا إليكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً، ثم أتى غطفان فقال‏:‏ إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ، قالوا‏:‏ صدقت، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش واستكتمهم، فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهناً فقالوا‏:‏ صدق نعيم، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحداً، فقالت قريظة‏:‏ صدق نعيم، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم، فانكسرت شوكتهم، وبردت حدتهم، ومنها من الملائكة جبرائيل عليه السلام ومن أراد الله منهم- على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فكبروا في نواحي عسكرهم، وزلزلوا بهم، وبثوا الرعب في قلوبهم، فماجت خيولهم، واضمحل قالهم وقيلهم، فكان في ذلك رحيلهم، بعد نحو أربعين يوماً أو بضع وعشرين- على ما قيل‏.‏

ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية، فصلها فقال ذاكراً الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيراً‏:‏ ‏{‏وكان الله‏}‏ الذي له جميع صفات الكمال والجلال والجمال ‏{‏بما يعملون‏}‏ أي الأحزاب من التحزب والتجمع والتألب والمكر والقصد السيئ- على قراءة البصري، وأنتم أيها المسلمون من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره- على قراءة الباقين ‏{‏بصيراً‏}‏ بالغ الإبصار والعلم، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم، ولا أغنت عنهم كثرتهم، ولا ضر المؤمنين قلتهم، وجعلنا ذلك سبباً لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم وأبنائهم وشفاء لأدواتهم بإراقة دمائهم- كما سيأتي؛ ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم فقال مبدلاً من ‏{‏إذ‏}‏ الأولى‏:‏ ‏{‏إذ جاؤوكم‏}‏ أي الجنود المذكورون بادئاً بالأقرب إليهم، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة‏.‏

ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل، أدخل أداة التبعيض فقال‏:‏ ‏{‏من فوقكم‏}‏ يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام، وهي بين بني قريظة وبين من في الخندق، فصاروا فوق العيال والرجال‏.‏

ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض، أوضحها بقوله‏:‏ ‏{‏ومن أسفل منكم‏}‏ دون أن يقول‏:‏ أسفلكم، وأفاد ذلك أيضاً من في أسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط، ولم يقل «ومن تحتكم» لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل، ولم يقل في الأول «من أعلى منكم» لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشاً، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة‏.‏

ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضاً مفخماً لأمره بالغطف فقال‏:‏ ‏{‏وإذ‏}‏ أي واذكروا حين، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال‏:‏ ‏{‏زاغت الأبصار‏}‏ أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليماً للأدب في المخاطبة، وكذا ‏{‏وبلغت القلوب‏}‏ كناية عن شدة الرعب والخفقان، ويجوز- وهو الأقرب- أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر، ومنه قولهم للجبان‏:‏ انتفخ منخره أي رئته ‏{‏الحناجر‏}‏ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه «شر ما في الإنسان جبن خالع» أي يخلع القلب من مكانه، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد‏.‏

ولما كانت هذه حالة عرضت، ثم كان من أمرها أنها إما زالت وثبتت إلى انقضاء الأمر، عبر عنها بالماضي لذلك وتحقيقاً لها ولما نشأ عنها تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد فقال‏:‏ ‏{‏وتظنون بالله‏}‏ الذي له صفات الكمال فلا يلم نقص ما بساحة عظمته، ولا يدنو شيء من شين إلى جناب عزته ‏{‏الظنونا *‏}‏ أي أنواع الظن إما بالنسبة إلى الأشخاص فواضح، وذلك بحسب قوة الإيمان وضعفه، وأما بالنسبة إلى الشخص الواحد فحسب تغير الأحوال، فتارة يظن الهلاك للضعف، وتارة النجاة لأن الله قادر على ذلك، ويظن المنافقون ومن قاربهم من ضعفاء القلوب ما حكى الله عنهم؛ قال الرازي في اللوامع‏:‏ ويروى أن المسلمين قالوا‏:‏ بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء نقول‏؟‏ فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏

«اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا» وزيادة الألف في قراءة من أثبتها في الحالين وهم المدنيان وابن عامر وشعبة إشارة إلى اتساع هذه الأفكار، وتشعب تلك الخواطر، وعند من أثبتها في الوقت دون الوصل وهم ابن كثير والكسائي وحفص إشارة إلى اختلاف الحال تارة بالقوة وتارة بالضعف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 15‏]‏

‏{‏هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ‏(‏11‏)‏ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏12‏)‏ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ‏(‏13‏)‏ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ‏(‏14‏)‏ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو النصرة، وأما المنافق فيلقي السلم ويدخل داره الذل بالموافقة على جميع ما يراد منه، ترجم حال المؤمنين قاصراً الخطاب على الرأس لئلا يدخل في مضمون الخبر إعلاماً بأن منصبه الشريف أجلّ من أن يبتلى فقال تعالى‏:‏ ‏{‏هنالك‏}‏ أي في ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة ‏{‏ابتلي المؤمنون‏}‏ أي خولط الراسخون في الإيمان بما شأنه أن يحيل ما خالطه ويميله، وبناه للمجهول لما كان المقصود إنما هو معرفة المخلص من غيره، مع لعلم بأن فاعل ذلك هو الذي له الأمر كله، ولم يؤكد الابتلاء بالشدة لدلالة الافتعال عليها، وصرف الكلام عن الخطاب مع ما تقدم من فوائده، وعبر بالوصف ليخص الراسخين فقال‏:‏ ‏{‏وزلزلوا‏}‏ أي حركوا ودفعوا وأقلقوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة، وتطاير الأراجيف ‏{‏زلزالاً شديداً *‏}‏ فثبتوا بتثبيت الله لهم على عهدهم‏.‏

ولما علم بهذا أن الحال المزلزل لهم كان في غاية الهول، أشار إلى أنهم لم يزلزلهم بأن حكى أقوال المزلزلين، ولم يذكر أقوالهم وسيذكرها بعد ليكون الثناء عليهم بالثبات مع عظيم الزلزال مذكوراً مرتين إشارة وعبارة، فقال‏:‏ ‏{‏وإذ‏}‏ وأشار إلى تكريرهم لدليل النفاق بالمضارع فقال‏:‏ ‏{‏يقول‏}‏ أي مرة بعد أخرى ‏{‏المنافقون‏}‏ أي الراسخون في النفاق، لأن قلوبهم مريضة ملائ مرضاً ‏{‏والذين في قلوبهم مرض‏}‏ أي من أمراض الاعتقاد بحيث أضعفها في الاعتقاد والثبات في مواطن اللقاء وفي كل معنى جليل، فهم بحيث لم يصلوا إلى الجزم بالنفاق ولا الإخلاص في الإيمان، بل هم على حرف فعندهم نوع النفاق، فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر النفاق أولاً دال عليه ثانياً، وذكر المرض ثانياً دليل عليه أولاً، وهذا الذي قلته في القلوب موافق لما ذكره الإمام السهروردي في الباب السادس والخمسين من عوارفه عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «القلوب أربعة‏:‏ قلب أجرد فيه سراج يزهو، فذلك قلب المؤمن، وقلب أسود منكوس، فذلك قلب الكافر، وقلب مربوط على غلاف، فذلك قلب المنافق، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأيّ المدتين غلبت عليه حكم له بها» وروى هذا الحديث الغزالي في أواخر كتاب قواعد العقائد من الإحياء عن أبي سعيد الخدري، وق الشيخ زين الدين العراقي‏:‏ أخرجه أحمد‏.‏

ولما كان المكذب لهم بتصديق وعد الله- ولله الحمد- كثيراً، أكدوا قولهم وذكروا الاسم الأعظم وأضافوا الرسول إليه فقالوا‏:‏ ‏{‏ما وعدنا الله‏}‏ الذي ذكر لنا أنه محيط الجلال والجمال ‏{‏ورسوله‏}‏ أي الذي قال من قال من قومنا‏:‏ إنه رسول، استهزاء منهم، وإقامة للدليل في زعمهم لهذا البلاء على بطلان تلك الدعوى ‏{‏إلا غروراً *‏}‏ أي باطلاً استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا وإلى الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين على الدين كله، والتمكين في البلاد حتى في حفر الخندق، فإنه قال‏:‏ إنه أبصر بما برق له في ضربه لصخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور وكسرى بالحيرة من أرض فارس، وقصور الشام من أرض الروم، وإن تابعيه سيظهرون على ذلك كله وقد صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك ابن جعشم سوارى كسرى بن هرمز كما هو مذكور مستوفى في دلائل النبوة للبيهقي، وكذبوا في شكهم‏.‏

ففاز المصدقون، وخاب الذين هم في ريبهم يترددون‏.‏

ولما ذكر ما هو الأصل في نفاقهم وهو التكذيب، أتبعه ما تفرع عليه، ولما كان تخذيلهم بالترجيع مرة، عبر عنه بالماضي فقال‏:‏ ‏{‏وإذ قالت‏}‏ أنث الفعل إشارة إلى رخاوتهم وتأنثهم في الأقوال والأفعال ‏{‏طائفة منهم‏}‏ أي قوم كثير من موتى القلوب ومرضاها يطوف بعضهم ببعض‏:‏ ‏{‏يا أهل يثرب‏}‏ عدلوا عن الاسم- الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وطيبة مع حسنه- إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديماً مع احتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم والتعنيف إظهاراً للعدول عن الإسلام قال في الجمع بين العباب والمحكم‏:‏ ثرب عليه ثرباً وأثرب، بمعنى ثرب تثريباً- إذا لامه وعيّره بذنبه وذكره به‏.‏ وأكدوا بنفي الجنس لكثرة مخالفتهم في ذلك فقالوا‏:‏ ‏{‏لا مقام لكم‏}‏ أي قياماً أو موضع قيام تقومون به- على قراءة الجماعة بالفتح، وعلى قراءة حفص بالضم المعنى‏:‏ لا إقامة أو موضع إقامة في مكان القتال ومقارعة الأبطال ‏{‏فارجعوا‏}‏ إلى منازلكم هراباً، وكونوا مع نسائكم أذناباً، أو إلى دينكم الأول على وجه المصارحة لتكون لكم عند هذه الجنود يد‏.‏

ولما ذكر هؤلاء الذين هتكوا الستر، وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر، أتبعهم آخرين تستروا بعض التستر تمسكاً بأذيال النفاق، خوفاً من أهوال الشقاق، فقال‏:‏ ‏{‏ويستأذن‏}‏ أي يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى البيوت والكون مع النساء ‏{‏فريق منهم‏}‏ أي طائفة شأنها الفرقة ‏{‏النبي‏}‏ وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق، والخلق، وما لديه من جلاله الشمائل وكريم الخصائل، ولم يخشوا من إنبائنا له بالأخبار، وإظهارنا له الخبء، من مكنون الضمائر وخفي الأسرار، حال كونهم ‏{‏يقولون‏}‏ أي في كل قليل، مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين لهم قولهم‏:‏ ‏{‏إن بيوتنا‏}‏ أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم المنافقين ‏{‏عورة‏}‏ أي بها خلل كثير يمكن من أراد من الأحزاب أن يدخلها منه، فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من مفسديهم حماية للدين، وذباً عن الأهلين‏.‏

ولما قالوا ذلك مؤكدين له، رده الله تعالى موكداً لرده مبيناً لما أرادوا فقال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي والحال أنها ما ‏{‏هي‏}‏ في ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه، وأكد النفي فقال‏:‏ ‏{‏بعورة‏}‏ ولا يريدون بذهابهم حمايتها ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏يريدون‏}‏ باستئذانهم ‏{‏إلا فراراً *‏}‏ ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم‏.‏ فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زوراً بين الله ذلك ودل عليه بالإسناد إلى الدور تنبيهاً على أنها ربة الحماية والعمدة فقال‏:‏ ‏{‏ولو دخلت‏}‏ أي بيوتهم من أيّ داخل كان من هؤلاء الأحزاب أو غيرهم، وأنث الفعل نصاً على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وعبر بأداة الاستعلاء فقال‏:‏ ‏{‏عليهم‏}‏ إشارة إلى أنه دخول غلبة ‏{‏من أقطارها‏}‏ أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب‏.‏

ولما كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار، من جميع الأقطار، دون الاستقتال للدفع عن الأهل والمال، بعيداً عن أفعال الرجال؛ عبر بأداة التراخي فقال‏:‏ ‏{‏ثم سئلوا‏}‏ أي من أيّ سائل كان ‏{‏الفتنة‏}‏ أي الخروج منها فارّين، وكأنه سماه بها لأنه لما كان أشد الفتنة من حيث أنه لا يخرج الإنسان من بيته إلا الموت أو ما يقاربه كان كأنه لا فتنة سواه ‏{‏لأتوها‏}‏ أي الفتنة بالخروج فراراً، إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة الظن بالدخول على صفة الإحاطة أن لا نجاة، فهم أبداً يعولون على الفرار من غير قتال حماية لذمار او دفعاً لعار، أو ذباً عن أهل أو جار، وهذا المعنى ينتظم قراءة أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد، فإن من أجاب إلى الفرار فقد أعطى ما كأنه كان في يده منه غلبة وجبناً وقد جأءه وفعله‏.‏

ولما كان هذا عند العرب- مع ما لهم من النجدة والخوف من السبة- لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال‏:‏ ‏{‏وما تلبثوا بها‏}‏ أي البيوت ‏{‏إلا يسيراً *‏}‏ فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا الفرار، لا حفظ البيوت من المضار، ويدلك على هذا المعنى إتباعه بقوله مؤكداً لأجل ما لهم من الإنكار والحلف بالكذب‏:‏ ‏{‏ولقد كانوا‏}‏ أي هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار مع الدخول عليهم على تلك الصفة من سبي حريمهم واجتياح بيضتهم ‏{‏عاهدوا الله‏}‏ أي الذي لا أجلّ منه‏.‏

ولما كان العهد ربما طال زمنه فنسي، فكان ذلك عذراً لصاحبه، بين قرب زمنه بعد بيان عظمة المعاهد اللازم منه ذكره، فقال مثبتاً الجار‏:‏ ‏{‏من قبل‏}‏ أي قبل هذه الحالة وهذه الغزوة حين أعجبتهم المواعيد الصادقة بالفتوحات التي سموها الآن عندما جد الجد مما هي مشروطة به من الجهاد غروراً ‏{‏لا يولّون‏}‏ أي يقربون عدوهم ‏{‏الأدبار‏}‏ أي أدبارهم أبداً لشيء من الأشياء، ولا يكون لهم عمل إذا حمى الياس، وتخالط الناس، واحمرت الحدق وتداعس الرجال، وتعانق الحماة الأبطال إلى الظفر أو الموت‏.‏

ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال‏:‏ ‏{‏وكان عهد الله‏}‏ أي الوفاء بعهد من هو محيط بصفات الكمال‏.‏ ولما كان العهد فضلة في الكلام لكونه مفعولاً، واشتدت العناية به هنا، بين ذلك بتقديمه أولاً ثم يجعله العمدة، وإسناد الفعل إليه ثانياً فقال‏:‏ ‏{‏مسؤولاً *‏}‏، أي في أن يوفي به ذلك الذي وقع منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 20‏]‏

‏{‏قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏16‏)‏ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏17‏)‏ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏18‏)‏ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏19‏)‏ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

ولما أتم سبحانه ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم كما دل عليه التعبير بالنبي، استأنف أمره بجوابهم جواباً لمن كأنه قال‏:‏ ماذا يقال لهم‏؟‏ وإجراءً للنصحية على لسانه لما هو مجبول عليه من الشفقة، ‏{‏قل‏}‏ أي لهم، وأكد لظنهم نفع الفرار‏:‏ ‏{‏لن ينفعكم‏}‏ أي في تأخير آجالكم في وقت من الأوقات ‏{‏الفرار‏}‏ أي الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه ‏{‏إن فررتم من الموت‏}‏ أي بغير عدو ‏{‏أو القتل‏}‏ لأن الأجل إن كان قد حضر، لم يتأخر بالفرار وإلا لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله عنه يقول‏:‏ إذا دهم الأمر، وتوقد الجمر، واشتد من الحرب الحر، أيّ يومي من الموت أفر‏؟‏ يوم لا يقدر أو يوم قدر، وذلك أن أجل الله الذي أجله محيط بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلاً ‏{‏وإذا‏}‏ أي وإذ فررتم‏.‏

ولما كانوا لا يقصدون بالعيش إلا التمتع، بين ذلك بالبناء للمجهول فقال‏:‏ ‏{‏لا تمتعون‏}‏ أي تمتعاً مبالغاً فيه كما تريدون بما بقي من أعماركم إن كان بقي منها شيء ‏{‏إلا قليلاً *‏}‏ بل يتمكن العدو منكم بأدباركم، ومن أموالكم وأحسابكم ودياركم، فيفسد مهما قدر عليه من ذلك فلا تقدرون على تداركه إلا بعد زمان طويل وتعب كبير، بخلاف ما إذا ثبتم وفاء بالعهد وحفظاً للثناء فلاقيتم الأقرن، وقارعتم الفرسان، اعتماداً على ربكم وطاعة لنبيكم، فإن كان الأجل قد أتى لم ينقصكم ذلك شيئاً، ومتم أعزة كراماً، وإلا فزتم بالنصر، وحزتم الأجر، وعشتم بأتم نعمة إلى تمام العمر، فالثبات أبقى للمهج، وأحفظ للعيش البهج‏.‏

ولما كانوا لما عندهم من التقيد بالوهم، والدوران مع الحس دأب البهم، جديرين بأن يقولوا‏:‏ بلى ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم، ومن ثبت فاصطلم، أمره بالجواب عن هذا بقوله‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ أي لهم منكراً عليهم‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يعصمكم‏}‏ أي يمنعكم ‏{‏من الله‏}‏ المحيط بكل شيء قدرة وعلماً قبل الفرار وفي حال الفرار وبعده ‏{‏إن أراد بكم سوءاً‏}‏ فأناخ بكم نقمه فيرد ذلك السوء عنكم ‏{‏أو‏}‏ يهينكم ويقبح جانبكم ويمتهنه بأن يصيبكم بسوء إن ‏{‏أراد بكم رحمة‏}‏ فأفادكم نعمه، والرحمة النفع سماه بها لأنه أثرها، قيسوا هذا المعنى على مقاييس عقولكم معتبرين له بما وجدتم من الشقين في جميع أعماركم، هل احترزتم عن سوء إرادة فنفعكم الاحتراز، أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئاً من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على كشفه بدون إذنه‏؟‏ ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك‏:‏ ذكر السوء أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً، وذكر الرحمة ثانياً دليلاً على حذف ضدها أولاً‏.‏

ولما كانوا أجمد الناس، أشار سبحانه بكونهم لم يبادروهم بأنفسهم الجواب بما يدل على المناب إلى جمودهم بالعطف على ما علم أن تقديره جواباً من كل ذي بصيرة‏:‏ لا يعصمهم أحد من دونه من شيء من ذلك، ولا يصيبهم بشيء منه، فقال‏:‏ ‏{‏ولا يجدون‏}‏ أي في وقت من الأوقات ‏{‏لهم‏}‏ ونبه على أنه لا شيء إلا وهو في مثبتاً الجار‏:‏ ‏{‏من دون الله‏}‏ وعبر بالاسم العلم إشارة إلى إحاطته بكل وصف جميل، فمن أين يكون لغيره الإلمام بشيء منها إلا بإذنه ‏{‏ولياً‏}‏ يواليهم فينفعهم بنوع نفع ‏{‏ولا نصيراً *‏}‏ ينصرهم من أمره فيرد ما أراده من السوء عنهم‏.‏

ولما أخبرهم سبحانه بما علم مما أوقعوه من أسرارهم، وأمره صلى الله عليه وسلم بوعظهم، حذرهم بدوام علمه لمن يخون منهم، فقال محققاً مقرباً من الماضي ومؤذناً بدوام هذا الوصف له‏:‏ ‏{‏قد يعلم‏}‏ ولعله عبر ب «قد» التي ربما أفهمت في هذه العبارة التقليل، إشارة إلى أنه يكفي من له أدنى عقل في الخوف من سطوة المتهدد احتمال علمه، وعبر بالاسم الأعظم فقال‏:‏ ‏{‏الله‏}‏ إشارة إلى إحاطة الجلال والجمال ‏{‏المعوقين‏}‏ أي المثبطين تثبيط تكرية وعقوق، يسرعون فيه إسراع الواقع بغير اختياره ‏{‏منكم‏}‏ أي أيها الذين أقروا بالإيمان للناس قاطبة عن إتيان حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ‏{‏والقائلين لإخوانهم هلم‏}‏ أي ائتوا وأقبلوا ‏{‏إلينا‏}‏ موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيه القتال، ويواظب على صالح الأعمال ‏{‏ولا‏}‏ أي والحال أنهم لا ‏{‏يأتون البأس‏}‏ أي الحرب أو مكانها ‏{‏إلا قليلاً‏}‏ للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنهم لواذاً، وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذاً‏.‏

ولما كانوا يوجهون لكل من أفعالهم هذه وجهاً صالحاً، بين فساد قصدهم بقوله ذاماً غاية الذم بالتعبير الشح الذي هو التناهي في البخل، فهو بخل بما في اليد وأمر للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه مسارع إليه ‏{‏أشحة‏}‏ أي يفعلون ما تقدم والحال أن كلاً منهم شحيح ‏{‏عليكم‏}‏ أي بحصول نفع منهم أو من غيرهم بنفس أو مال‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ في حال الأمن، أتبعه بيان حالهم في الخوف فقال‏:‏ ‏{‏فإذا جاء الخوف‏}‏ أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها ‏{‏رأيتهم‏}‏ أي أيها المخاطب ‏{‏وينظرون‏}‏ وبين بعدهم حساً ومعنى بحرف الغاية فقال‏:‏ ‏{‏إليك‏}‏ أي حال كونهم ‏{‏تدور‏}‏ يميناً وشمالاً بإدارة الطرف ‏{‏أعينهم‏}‏ أي زائغة رعباً وخوراً، تم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح فقال‏:‏ ‏{‏كالذي‏}‏ أي كدوران عين الذي، وبين شدة العناية بتصوير ذلك بجعل المفعول عمدة ببناء الفعل له فقال‏:‏ ‏{‏يغشى عليه‏}‏ مبتدئاً غشيانه ‏{‏من الموت‏}‏ سنة الله في أن كل من عامل الناس بالخداع، كان قليل الثبات عند القراع؛ ثم ذكر خاصة أخرى لبيان جبنهم فقال‏:‏ ‏{‏فإذا ذهب الخوف‏}‏ أي بذهاب أسبابه ‏{‏سلقوكم‏}‏ أي تناولوكم تناولاً صعباً جرأة ووقاحة، ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور ‏{‏بألسنة حداد‏}‏ ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها؛ ثم بين المراد بقوله‏:‏ ‏{‏أشحة‏}‏ أي شحاً مستعلياً ‏{‏على الخير‏}‏ أي المال الذي عندهم، وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره، شحاً لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه، وهذه سنة أخرى في أن من كان صلباً في الرخاء كان رخواً حال الشدة وعند اللقاء، وإنما فسرت الشح بهذا لأن مادته بترتيبها تدور على الجمع الذي انتهى فأشرف على الفساد، من الحشيش والمحشة، وهي الدبر، فهو جمع يتبعه في الأغلب نكد وأذى، ومن لوازم مطلق الجمع القوة فتتبعها الصلابة، فربما نشأت القساوة، وربما نشأت عن الجمع الفرقة فلزمها الرخاوة، فمن الجمع النكد الشح وهو البخل والحرص، وشح النفس حرصها على ما ملكت، قال القزاز‏:‏ وجمع الشحيح في أقل العدد أشحة، ولم أسمع غيره، وحكى أبو يوسف‏:‏ أشحاء- بالمد في الكثير، والرجلان يتشاحان عن الأمر- إذا كان كل منهما يريد أن لا يفوته، وزند شحاح‏:‏ لا يورى، وماء شحاح‏:‏ نكد غير غمر- لأنه اشتد اجتماعه في مكانه، واشتدت أرضه باجتماع أجزائها فصلبت جداً فضنت به‏.‏

وأرض شحاح‏:‏ صلبة، قال القزاز‏:‏ وبه شبه الزند، والشحشاح‏:‏ الحاد والسيئ الخلق والماضي في كلام أو سير، والمواظب على الشيء، لأن ذلك من لوازم الحدة الناشئة عن القوة الناشئة عن الجمع، ومن هنا قيل للخطيب البليغ والشجاع والغيور‏:‏ شحشح وشحشاح، والشحشح من الغربان‏:‏ الكثير الصوت، ومن الحمير‏:‏ الخفيف، ومن القطا‏:‏ السريعة، والشحشاح‏:‏ الطويل- كأنه جمع طولين، وشحشح البعير في الهدير- إذا لم يخلصه، كأنه جمع إلى الهدير ما ليس بهدير، والشحشحة‏:‏ صوت الصرد- لكثرة اتصالها، فهي ترجع إلى الحدة التي ترجع إلى القوة الناشئة عن الجمع، وترديد البعير في الهدير والطيران السريع والحذر، فإنه يدل على اجتماع القلب وثقوب الذهن، وامرأة شحشاح- كأنه رجل في قوتها، والمشحشح- كالمسلسل‏:‏ القليل الخير، وإبل شحائح‏:‏ قليلة الدر، وذلك من الجمع والصلابة الناشئة عن القساوة والنكد، والشحيح من الأرض ما يسيل من أدنى مطر، لصلابتها وشدة اجتماع بعضها إلى بعض، والشحشح أيضاً من الأرض ما لا يسيل إلا من مطر كثير ضد الأول، وذلك ناظر إلى جمعها للنظر لغوره فيها لما في أجزائها من التفرق الذي تقدم أنه من لوازم الجمع، ومن مطلق الجمع‏:‏ الفلاة الواسعة- لأنها جامعة لما يراد جمعه، والشحاح‏:‏ شعاب صغار تدفع الماء إلى الوادي، فهي بمدها جامعة، وبكونها صغاراً نكدة ومجتمعة في نفسها، ومن الجمع‏:‏ الحشيش، وهو اليابس من العشب، وأصله ما جمع منه‏.‏

والمحش‏:‏ الموضع الكثير الحشيش والخير، لأن الجمع ربما نشأ عنه رفق، وكثرة الحشيش يلزمها الرفق بعلفه للدواب، ويكون أرضه طيبة، ومن حش الحشيش‏:‏ قطعه، وفلاناً‏:‏ أصلح من حاله، والمال‏:‏ كثره، وزيداً بعيراً أو ببعير‏:‏ أعطاه إياه، والحش- بالفتح‏:‏ المخرج، والمحشة‏:‏ الدبر، والحش‏:‏ البستان ذو النخل المجتمع، سمى الخلاء به لأن العرب كانت تقضي الحاجة فيه، وحش طلحة وحش كوكب‏:‏ موضعان بالمدينة، وحش الولد في البطن‏:‏ يبس، وأحشت المرأة فهي محش- إذا يبس الولد في جوفها، والحش- بالضم‏:‏ الولد الهالك في البطن، وحششت الفرس‏:‏ جمعت له الحشيش، وأحششت الرجل‏:‏ أعنته على جمع الحشيش، والحشاش‏:‏ الجوالق فيه الحشيش، وأحش الكلأ‏:‏ أمكن لأن يُحَش، والمستحشة من النوق التي دقت أوظفتها، أي ما فوق رسغها إلى ساقها، وذلك من من عظمها وكثرة شحمها، واستحش الغصن‏:‏ طال- كأنه جمع طولين، أو صار بحيث يجمع ورقاً كثيراً، الشيء بالشيء، وحش الودي من النخل‏:‏ يبس، ومن الجمع‏:‏ حش الصيد‏:‏ جمعه من جانبيه، والفرس‏:‏ ألقى له حشيشاً، قال القزاز‏:‏ وهو يبس الكلأ، وأصله ما جمع، ومنه‏:‏ أحشك وتروثني- يضرب لمن أساء إلى من أحسن إليه، ومرت الإبل تحش الأرض‏.‏ أي تجمع الحشيش، وقيل‏:‏ هو من سرعة مرها، وفيه مع كثرة الجمع للخطى بتقاربها معنى الحدة، ومنه حش الفرس‏:‏ أسرع، ومن الإشراف على الفساد‏:‏ الحش- بالفتح وهو النخل الناقص القصير ليس بمسقي ولا معمور، والحشاشة‏:‏ رمق النفس، يقال‏:‏ ما بقي من فلان إلا حشاشة أي رمق يسير يحيي به، وعبارة القاموس، والحشاش والحشاشة، بقية الروح في المريض والجريح فهذا بين في الإشراف على الفساد كما تقدم وهو أيضاً من الفرقة التي قد تلزم الجمع ومنه تحشحشوا أي تفرقوا، ومنه قلة الاستحشاش، وهو قلة القوم، ومن الحدة الناشئة عن القوة الناشئة‏:‏ عن الجمع حششت النار أي أوقدتها وجمعت الحطب إليها، وكل ما قوي بشيء فقد حش به، والمحش‏:‏ حديدة يوقد بها النار أي تحرك، والشجاع، قال القزاز، وهو محش حرب- إذا كان يسعرها بشجاعته، وحش فلان الحرب- إذا هيجها، ومنه تحشحشوا أي تحركوا، ومن مطلق الحدة‏:‏ أحششته عن حاجته‏:‏ أعجلته عنها، ومن الجمع والقوة‏:‏ حش سهمه بالقذذ- إذا راشه فألزقها من نواحيه، وحشاشاك أن تفعل كذا أي قصاراك أي نهاية جمعك لكل ما تقوى به، وحشاشا كل شيء‏:‏ جانباه، والحشة- بالضم‏:‏ القبة العظيمة، لكثرة جمعها وقوة تراصّها‏.‏

ولما وصفهم سبحانه بهذه الدنايا‏.‏

أخبر بأن أساسها وأصلها الذي نشأت عنه عدم الوثوق بالله لعدم الإيمان فقال‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي البغضاء البعداء الذين محط أمرهم الدنيا ‏{‏ولم يؤمنوا‏}‏ أي لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم‏.‏

ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان، سبب عن ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فأحبط الله‏}‏ أي بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله ‏{‏أعمالهم‏}‏ أي أبطل أرواحها، فصارت أجساداً لا أرواح لها، فلا نفع لهم بشيء منها لأنها كانت في الدنيا صوراً مجردة عن الأرواح التي هي القصود الصالحة، فإنهم لا قصد لهم بها إلا التوصل إلى الأعراض الدنيوية، وهذا إعلام بأن من كانت الدنيا أكبر همه فهو غير مؤمن، وأنه يكون خواراً عند الهزاهز، ميالاً إلى دنايا الشجايا والغرائز‏.‏

ولما كان من عمل عملاً لم يقدر غيره وإن كان أعظم منه أن يبطل نفعه به إلا بسعر شديد، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكان ذلك‏}‏ أي الإحباط العظيم مع ما لهم من الجرأة في الطلب والإلحاف عند السؤال وقلة الأدب ‏{‏على الله‏}‏ بما له من صفات العظمة التي تخشع لها الأصوات، وتخرس الألسن الذربات ‏{‏يسيراً *‏}‏ لأنه لا نفع إلا منه وهو الواحد القهار، وأما غيره فإنما عسر عليه ذلك، لأن النفع من غيره- وإن كان منه حقيقة- قهره غيره بالشفاعات ووجود النكد أو غيرها عليه، وكأنهم لما ذهب استمرو خاضعين لم يطلقوا ألسنتهم ولا أعلو كلمتهم، فأخبر تعالى تحقيقاً لقوله الماضي في جبنهم أن المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط جبنهم، فقال تحقيقاً لذلك وجواباً لمن ربما قال‏:‏ قد ذهب الخوف فما لهم ما سلقوا‏؟‏‏:‏ ‏{‏يحسبون‏}‏ أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال، وقد ذهب الخوف، لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف ‏{‏الأحزاب‏}‏ وقد علمتم أنهم ذهبوا ‏{‏لم يذهبوا‏}‏ بل غابوا خداعاً، وعبر بالحسبان لأنه- كما مضى عن الحرالي في البقرة- ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له، والظن فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم، قال‏:‏ فكان ضعف علم العالم ظن، وضعف عقل العاقل حسبان‏.‏

ولما أخبر عن حالهم في ذهابهم، أخبر عن حالهم لو وقع ما يتخوفونه من رجوعهم، فقال معبراً بأداة الشك بشارة لأهل البصائر أنه في عداد المحال‏:‏ ‏{‏وإن يأتِ الأحزاب‏}‏ أي بعد ما ذهبوا ‏{‏يودّوا‏}‏ أي يتجدد لهم غاية الرغبة من الجبن وشدة الخوف ‏{‏لو أنهم بادون‏}‏ أي فاعلون للبدو وهو الإقامة في البادية على حالة الحل والارتحال ‏{‏في الأعراب‏}‏ الذين هم عندهم في محل النقص، وممن تكره مخالطته ولو كان تمنيهم في ذلك الحين محالاً؛ ثم ذكر حال فاعل «بادون» فقال‏:‏ ‏{‏يسألون‏}‏ كل وقت ‏{‏عن أنبائكم‏}‏ العظيمة معهم جرياً على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجهاً، كأنهم مهتمون بكم، يظهرون بذلك تحرقاً على غيبتهم عن هذه الحرب أو ليخفوا غيبتهم ويظهروا أنهم كانوا بينكم في الحرب بأمارة أنه وقع لكم في وقت كذا أو مكان كذا كذا، ويكابروا على ذلك من غير استحياء لأن النفاق صار لهم خلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه، ويرشد إلى هذا المعنى قراءة يعقوب «يسالون» بالتشديد ‏{‏ولو‏}‏ أي والحال أنهم لو ‏{‏كانوا فيكم‏}‏ أي حاضرين لحربهم ‏{‏ما قاتلوا‏}‏ أي معكم ‏{‏إلا قليلاً‏}‏ نفاقاً كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى، والتعويق لغيرهم بالفعل كرة، والتصريح بالقول أخرى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 24‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ‏(‏21‏)‏ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ‏(‏22‏)‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ‏(‏23‏)‏ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏24‏)‏‏}‏

ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة، أقبل عليهم إقبالاً يدلهم على تناهي الغضب، فقال مؤكداً محققاً لأجل إنكارهم‏:‏ ‏{‏لقد كان لكم‏}‏ أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم ‏{‏في رسول الله‏}‏ الذي جاء عنه لإنقاذكم من كل ما يسوءكم، وجلاله من جلاله المحيط بكل جلال، وكماله من كماله العالي على كل كمال، وهو أشرف الخلائق، فرضيتم مخالطة الأجلاف بدل الكون معه ‏{‏أسوة‏}‏ أي قدوة عظيمة- على قراءة عاصم بضم الهمزة، وفي أدنى المراتب- على قراءة الباقين بالكسر، تساوون أنفسكم به وهو أعلى الناس قدراً يجب على كل أحد أن يفدي ظفره الشريف ولو بعينه فضلاً عن أن يسوي نفسه بنفسه، فيكون معه في كل أمر يكون فيه، لا يختلف عنه أصلاً ‏{‏حسنة‏}‏ على قراءة الجماعة بمطلق الصبر في البأساء وأحسنية- على قراءة عاصم بالصبر على الجراح في نفسه والإصابة في عمه وأعزّ أهله وجميع ما كان يفعل في مقاساة الشدائد، ولقاء الأقران، والنصيحة لله ولنفسه وللمؤمنين، وعبر عنه بوصف الرسالة لأنه حظ الخلق منه ليقتدوا بأفعاله وأقواله، ويتخلفوا بأخلاقه وأحواله، ونبه على أن الذي يحمل على التآسي به صلى الله عليه وسلم إنما هو الصدق في الإيمان ولا سيما الإيمان بالقيامة، وأن الموجب للرضا جبلة له ‏{‏يرجوا الله‏}‏ أي في جبلته أنه يجدد الرجاء مستمراً للذي لا عظيم في الحقيقة سواه فيأمل إسعاده ويخشى إبعاده ‏{‏واليوم الآخر‏}‏ الذي لا بد من إيجاده ومجازاة الخلائق فيه بإعمالهم، فمن كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير، ومنعه من كل شر، فإنه يوم التغابن، لأن الحياة فيه دائمة، والكسر فيه لا يجبر‏.‏

ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف الناشئ عن المراقبة لأنه في جبلته، أنتج ان يقال‏:‏ فأسى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء تصديقاً لما في جبلته من الرجاء، فعطف عليه، أو على «كان» المقتضيه للرسوخ قوله‏:‏ ‏{‏وذكر الله‏}‏ الذي له صفات الكمال، وقيده بقوله‏:‏ ‏{‏كثيراً‏}‏ تحقيقاً لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح، وأن المراد منه الدائم في حالي السراء والضراء‏.‏

ولما أخبر عما حصل في هذه الوقعة من الشدائد الناشئة عن الرعب لعامة الناس، وخص من بينهم المنافقين بما ختمه بالملامة في ترك التآسي بمن أعطاء الله قيادهم، وأعلاه عليهم في الثبات والذكر، وختم هذا الختم بما يثمر الرسوخ في الدين، ذكر حال الراسخين في أوصاف الكمال المتأسين بالداعي، المقتفين للهادي، فقال عاطفاً على ‏{‏هنالك ابتلي المؤمنون‏}‏‏:‏ ‏{‏ولما رأى المؤمنون‏}‏ أي الكاملون في الإيمان ‏{‏الأحزاب‏}‏ الذين أدهشت رؤيتهم القلوب ‏{‏قالوا‏}‏ أي مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأحوال‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏ أي الذي نراه من الهول ‏{‏ما وعدنا‏}‏ من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان ‏{‏الله‏}‏ الذي له الأمر كله ‏{‏ورسوله‏}‏ المبلغ عنه في نحو قوله‏:‏

‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 214‏]‏ ‏{‏أحسب الناس أن يتركوا‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 2‏]‏ ‏{‏أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 16‏]‏ وأمثال ذلك، فسموا المس بالبأساء والضراء، والابتلاء بالزلزال والأعداء، وعداً لعلمهم بما لهم عليه عند الله، ولا سيما في يوم الجزاء، وما يعقبه من النصر، عند اشتداد الأمر‏.‏

ولما كان هذا معناه التصديق، أزالوا عنه احتمال أن يكون أمراً اتفاقياً، وصرحوا به على وجه يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفاً على هذا‏:‏ ‏{‏وصدق‏}‏ مطلقاً لا بالنسبة إلى مفعول معين ‏{‏الله‏}‏ الذي له صفات الكمال ‏{‏ورسوله‏}‏ الذي كماله من كماله، أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء مما رأيناه‏.‏ وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما‏.‏

ولما كان هذا قولاً يمكن أن يكون لسانياً فقط كقول المنافقين، أكده لظن المنافقين ذلك، فقال سبحانه شاهداً لهم‏:‏ ‏{‏وما زادهم‏}‏ أي ما رأوه من أمرهم المرعب ‏{‏إلا إيماناً‏}‏ أي بالله ورسوله بقلوبهم، وأبلغ سبحانه في وصفهم بالإسلام، فعبر بصيغة التفعيل فقال‏:‏ ‏{‏وتسليماً‏}‏ أي لهما بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر، وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان ‏{‏ويجعل لك قصوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 10‏]‏ ما هو من شرح هذا‏.‏ ولما كان كل من آمن بائعاً نفسه وماله لله، لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكان بعض الراسخين في الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، أما في ماله فبالخروج عنه كله، وأما في نفسه فيما يقحمها من الأهوال، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في بعض المواطن‏:‏ «الزم مكانك وأمتعنا بنفسك»، «ويقول له ولعمر رضي الله عنهما أنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر» وكان أبو بكر رضي الله عنه في ليلة الغار يذكر الطلب فيتأخر، والرصد فيتقدم، وما عن الجوانب فيصير إليها، ومنهم من وفى هذه الغزوة وما قبلها فأراد الله التنويه بذكرهم والثناء عليهم توفية لما يفضل به في حقهم، وترغيباً لغيرهم فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد بالمذكورين سابقاً فيخص هذه الغزوة فقال‏:‏ ‏{‏من المؤمنين‏}‏ أي الكمل ‏{‏رجال‏}‏ أي في غاية العظمة عندنا، ثم وصفهم بقوله‏:‏ ‏{‏صدقوا‏}‏‏.‏

ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية، والأخلاق الزكية، لشدة ذكرهم له ومحافظتهم على الوفاء به، وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم تجاههم، يتقاضاهم الصدق، عدى الفعل إليه فقال‏:‏ ‏{‏ما عاهدوا الله‏}‏ المحيط علماً وقدرة وجلالاً وعظمة ‏{‏عليه‏}‏ أي من بيع أنفسهم وأموالهم له بدخولهم في هذا الدين الذي بنى على ذلك فوفوا به أتم وفاء، وفي هذا إشارة إلى أبي لبابة بن المنذر رضي الله عنه، وكان من أكابر المؤمنين الراسخين في صفة الإيمان حيث زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح، كما تقدم في الأنفال في قوله تعالى‏:‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 27‏]‏ فذهب من حينه وربط نفسه تصديقاً لصدقه في سارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة‏.‏

ولما ذكر الصادقين، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل، قسمهم قسمين مشيراً إلى خلاف ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏فمنهم من قضى‏}‏ أي أعطى ‏{‏نحبه‏}‏ أي نذره في معاهدته، أنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويموت دونه، وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيداً، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب عن غزوة بدر فقال‏:‏ غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد قال‏:‏ اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء- يعني المشركين- ومما صنع هؤلاء- يعني المنهزمين من المسلمين‏.‏ وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ «نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر ‏{‏من المؤمنين رجال‏}‏»- انتهى، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي، ولم يرع لهم حلفهم لقومه، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبد الله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضباً لله ولرسوله رضي الله عنه، وممن لم يقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره، لزم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه، وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممن قضى نحبه، فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر المفضي إلى الموت، وأصل النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك ‏{‏ومنهم‏}‏ أي الصادقين ‏{‏من ينتظر‏}‏ قضاء النحب إما بالنصرة، أو الموت على الشهادة، أو مطلق المتابعة الكاملة‏.‏

ولما كان المنافقون ينكرون أن يكون أحد صادقاً فيما يظهر من الإيمان، أكد قوله تعريضاً بهم‏:‏ ‏{‏وما بدلوا تبديلاً‏}‏ أي وما أوقعوا شيئاً من تبديل بفترة أو توان، فهذا تصريح بمدح أهل الصدق، وتلويح بذم أهل النفاق عكس ما تقدم، روى البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال‏:‏ لما نسخنا الصحف بالمصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري- رضي الله عنه- الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين ‏{‏من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ «نسخنا الصحف» التي كانت عند حفصة رضي الله عنها بعد موت عمر رضي الله عنه «في المصاحف» التي أمر بها عثمان رضي الله عنه، وقوله‏:‏ «لم أجدها» أي مكتوبة بدليل حفظه لها، وهذا يدل على أنه لما نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه لم يقتنعوا بالصحف‏.‏ بل ضموا إليها ما هو مفرق عند الناس مما كتب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحضرته كما فعلوا حين جمعوا الصحف على عهد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ قد فهم من سياق هذه القصة أن القصد الإقبال عليه سبحانه، وقطع جميع العلائق من غيره، لأنه قادر على كل شيء، فهو يكفي من أقبل عليه كل مهم وإن كان في غاية العجز عنه، تارة بسبب ظاهر وتارة بغيره فما له لم يحكم بالاتفاق على كلمة السلام، لتحصل الراحة من هذا العناء كله، فأجيب بأن هذا لتظهر صفة العز والعظمة والعدل وغيرها ظهوراً تاماً إلى غير ذلك من حكم ينكشف عنها الحجاب، وترفع لتجليها غاية التجلي ستور الأسباب، فقال تعالى معلقاً بقوله‏:‏ ‏{‏جاءتكم جنود‏}‏‏:‏ ‏{‏ليجزي الله‏}‏ أي الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهوراً تاماً ‏{‏الصادقين‏}‏ في ادعاء أنهم آمنوا به ‏{‏بصدقهم‏}‏ فيعلي أمرهم في الدنيا وينعمهم في الأخرى، فالصدق سبب وإن كان فضلاً منه لأنه الموفق له ‏{‏ويعذب المنافقين‏}‏ في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال ‏{‏إن شاء‏}‏ يعذبهم على النفاق ‏{‏أو يتوب عليهم‏}‏ أي بما يرون من صدقه سبحانه في إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا قاطعين بخلاف ذلك‏.‏

ولما كانت توبة المنافقين مستعبدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم، قال معللاً ذلك كله على وجه التأكيد‏:‏ ‏{‏إن الله‏}‏ أي بما له من الجلال والجمال ‏{‏كان‏}‏ أزلاً وأبداً ‏{‏غفوراً رحيماً‏}‏ يستر الذنب وينعم على صاحبه بالكرامة، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة، وأما في تعذيب المنافق فيخص الصادقين، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم، وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة أيضاً، فهو لا يعذب أحداً فوق ما يستحق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 27‏]‏

‏{‏وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ‏(‏25‏)‏ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ‏(‏26‏)‏ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ‏(‏27‏)‏‏}‏

ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده، وبين أحوال المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار، وختم بهاتين الصفتين، قال مذكراً بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على حالة لا يرضاها لنفسه عاقل، عاطفاً على قوله في أول السورة والقصة ‏{‏فأرسلنا‏}‏‏:‏ ‏{‏ورد الله‏}‏ أي بما له من صفات الكمال ‏{‏الذين كفروا‏}‏ أي ستروا ما دلت عليه شموس عقولهم من أدلة الوحدانية وحقية الرسالة، وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين، حال كونهم ‏{‏بغيظهم‏}‏ الذي أوجب لهم التحزب ثم الذي أوجب لهم التفرق من غير طائل حال كونهم ‏{‏لم ينالوا خيراً‏}‏ لا من الدين ولا من الدنيا، بل خذلهم بكل اعتبار‏.‏

ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم، بين أن الأمر ليس كذلك فقال‏:‏ ‏{‏وكفى الله‏}‏ أي العظيم بقوته وعزته عباده، ودل على أنه ما فعل ذلك إلا لأجل أهل الإخلاص فقال‏:‏ ‏{‏المؤمنين القتال‏}‏ بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم منهم نعيم بن مسعود كما تقدم‏.‏

ولما كان هذا أمراً باهراً، أتبعه ما يدل على أنه عنده يسير فقال‏:‏ ‏{‏وكان الله‏}‏ أي الذي له كل صفة كمال دائماً أزلاً وأبداً ‏{‏قوياً‏}‏ لا يعجزه شيء ‏{‏عزيزاً‏}‏ يغلب كل شيء‏.‏

ولما أتم أمر الأحزاب، أتبعه حال الذين ألّبوهم، وكانوا سبباً في إيتانهم كحيي بن أخطب والذين مالأوهم على ذلك، ونقضوا ما كان لهم من عهد، فقال‏:‏ ‏{‏وأنزل الذين ظاهروهم‏}‏ أي عاونوا الأحزاب، ثم بينهم بقوله مبغضاً‏:‏ ‏{‏من أهل الكتاب‏}‏ وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير كحيي، وكان ذلك بعد إخراج بني قنيقاع وبني النضير ‏{‏من صياصيهم‏}‏ أي حصونهم العالمية، جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها مما شبه بها من الحصون‏.‏

ولما كان الإنزال من محل التمنع عجباً، وكان على وجوه شتى، فلم يكن صريحاً في الإذلال، فتشوفت النفس إلى بيان حاله، بين أنه الذل فقال عاطفاً بالواو ليصلح لما قبل ولما بعد‏:‏ ‏{‏وقذف في قلوبهم الرعب‏}‏ أي بعد الإنزال كما كان قذفه قبل الإنزال، فلو قدم القذف على الإنزال لما أفاد هذه الفؤائد، ولا اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال‏.‏

ولما ذكر ما أذلهم به، ذكر ما تأثر عنه مقسماً له فقال‏:‏ ‏{‏فريقاً‏}‏ فذكره بلفظ الفرقة ونصبه ليدل بادئ بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين‏:‏ ‏{‏تقتلون‏}‏ وهم الرجال، وكان نحو سبعمائة‏.‏ ولما بدأ بما يدل على التقسيم مما منه الفرقة، وقد أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب، أولاه الأثر الآخر ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة فقال‏:‏ ‏{‏وتأسرون فريقاً‏}‏ وهم الذراري والنساء، ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم، وقدم في الرجال لتحتم القتل فيهم‏.‏

ولما ذكر الناطق بقسميه، ذكر الصامت فقال‏:‏ ‏{‏وأورثكم أرضهم‏}‏ من الحدائق وغيرها؛ ولما هم خص بقوله‏:‏ ‏{‏وديارهم‏}‏ لأنه يحامي عليها ما لا يحامي على غيرها؛ ثم عم بقوله‏:‏ ‏{‏وأموالهم‏}‏ مما تقدم ومن غيره من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها، فقسم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهم‏:‏ للفرس سهمان ولفارسه سهم كما للراجل ممن ليس له فرس وأخرج منها الخمس فعلى سنتها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة‏.‏ إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فتلبثت قليلاً، ثم أسلمت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ بل تتركني في ملكك فهو أخف عليّ وعليك، فتركها حتى توفي عنها في ملكه رضي الله عنها‏.‏

ولما كانت هذه غزوة طار رعبها في الآفاق، وأذلت أهل الشرك من الأميين وغيرهم على الإطلاق، ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق، وأغمدت سيف الكفر وسلت صارم الإيمان للرؤوس والأعناق، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبصر الناس بالحروب، وأنفذهم رأياً لما له من الثبات عند اشتداد الكروب‏:‏ «الآن نغزوهم ولا يغزونا»، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأرضاً لم تطؤها‏}‏ أي تغلبوا عليها بتهيئتكم للغلبة عليها وإعطائكم القوة القريبة من فتحها، وهي أرض خيبر أولاً، ثم أرض مكة ثانياً ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه الله بعد ذلك، وكان قد حكم به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق، فأراه في الأولى اليمن، وفي الأخرى فارس، وفي الأخرى الروم‏.‏

ولما كان ذلك أمراً باهراً سهله بقوله‏:‏ ‏{‏وكان الله‏}‏ أي أزلاً وأبداً بما له من صفات الكمال ‏{‏على كل شيء‏}‏ هذا وغيره ‏{‏قديراً‏}‏ أي شامل القدرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 31‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ‏(‏28‏)‏ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏29‏)‏ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏30‏)‏ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ‏(‏31‏)‏‏}‏

ولما تقرر بهذه الوقائع- التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنه سببها، وأمور خفية رتبها، تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة، والملوك المتجبرة المستكبرة- ما قدم من أنه كافي من توكل عليه، وأقبل بكليته إليه، وختم بصفة القدرة العامة الدائمة، تحرر أنه قادر على كل ما يريده، وأنه لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض، وأنه لا يجوز لأحد أن يراعي غيره ولا أن يرمق بوجه ما سواه، وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما نفع نفسه والفضل لصاحب الدين عليه، ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على نفسه، ولا ضرر على الدين بإعراض هذا المعرض، كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك المقبل، وكان قد قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراماً له ورفعاً لمنزلته عن خسيسها إلى نفيس ما عنده، لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش واضمحلال، ولا يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال، فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق إليه، وأعزهم منزلة لديه، المعلوم امتثالاً للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ما سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف، والقناعة والعفاف، بتخيير ألصق الناس به تأديباً لكافة الناس، فقال على طريق الاستنتاج مما تقدم‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ ذاكراً صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام بأسرار القلوب، وخفايا الغيوب، المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من المعارف، ولا يعلق عن شيء من ذلك بشيء من أذى‏:‏ ‏{‏قل لأزواجك‏}‏ أي نسائك‏:‏ ‏{‏إن كنتن‏}‏ أي كوناً راسخاً ‏{‏تردن‏}‏ أي اختياراً عليّ ‏{‏الحياة‏}‏ ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال‏:‏ ‏{‏الدنيا‏}‏ أي ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة ‏{‏وزينتها‏}‏ أي المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه، لأنها قاطعة عنه ‏{‏فتعالين‏}‏ أصله أن الأمر يكون أعلى من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ثم كثر حتى صار معناه‏:‏ أقبل، وهو هنا كناية عن الإخبار والإراداة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره ‏{‏أمتعكن‏}‏ أي بما أحسن به إليكن ‏{‏وأسرحكن‏}‏ أي من حباله عصمتي ‏{‏سراحاً جميلاً *‏}‏ أي ليس فيه مضارة، ولا نوع حقد ولا مقاهرة ‏{‏وإن كنتن‏}‏ بما لكن من الجبلة ‏{‏تردن الله‏}‏ أي الآمر بالإعراض عن الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال ‏{‏ورسوله‏}‏ المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين لا يدع منه شيئاً، لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله ‏{‏والدار الآخرة‏}‏ التي هي الحيوان بما لها من البقاء، والعلو والارتقاء‏.‏

ولما كان ما كل من أظهر شيئاً كان عالي الرتبة فيه، قال مؤكداً تنبيهاً على أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعاً لظن من يغلب عليه حال البشر فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم، أو يعمل عمل من يظن ذلك أو يستبعد وقوعه في الدنيا أو الآخرة‏:‏ ‏{‏فإن الله‏}‏ أي بما له من جميع صفات الكمال ‏{‏أعد‏}‏ في الدنيا والآخرة ‏{‏للمحسنات منكن‏}‏ أي اللاتي يفعلن ذلك وهن في مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره ‏{‏أجراً عظيماً *‏}‏ أي تحتقر له الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة‏.‏

ولما أتى سبحانه بهذه العبارة الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ترهيباً في ترغيب، أحسن كلهن وحققن بما تخلقن به أن من للبيان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليهن رضي الله عنهن ذلك، وبدأ بعائشة رضي الله عنها رأس المحسنات إذ ذاك رضي الله عنها وعن أبيها وقال لها‏:‏ «إني قائل لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أوبويك»، فلما تلاها عليها قالت منكرة لتوقفها في الخبر‏:‏ أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ثم عرض ذلك على جميع أزواجه فاقتدين كلهن بعائشة رضي الله عنهن فكانت لهن إماماً فنالت إلى أجرها مثل أجورهن- روى ذلك البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها، وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وجد على نسائه رضي الله عنهن فآلى منهن شهراً، فلما انقضى الشهر نزل إليهن من غرفة كان اعتزل فيها وقد أنزل الله عليه الآيات‏.‏ فخيرهن فاخترنه رضي الله عنهن، وسبب ذلك أن منهن من سأل التوسع في النفقة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب التوسع في الدنيا، روى الشيخان رضي الله عنهما عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم، من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى الحديث البيهقي ولفظه‏:‏ قالت‏:‏ ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه، وروى الطبراني في الأوسط عنها أيضاً رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إليّ أشعث شاحب لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغداً السباق، والغاية الجنة أو النار»‏.‏

ولما كان الله سبحانه قد أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول إلا ببيان، قال سبحانه متهدداً على ما قد أعاذهن الله منه، فالمراد منه بيان أنه رفع مقاديرهن، ولذلك ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتباراً بلفظ «من» والتنبيه على غلط من جعل صحبه الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف، ومعلمة بأنها إنما تكون سبباً للإضعاف‏:‏ ‏{‏يا نساء النبي‏}‏ أي المختارات له لما بينه وبين الله مما يظهر شرفه ‏{‏من يأتِ‏}‏ قراءة يعقوب على ما نقله البغوي بالمثناة الفوقانية على معنى من دون لفظها وهي قراءة شاذة نقلها الأهوازي في كتاب الشواذ عن ابن مسلم عنه‏:‏ وقرأ الجماعة بالتحتانية على اللفظ وكذا «يقنت» ‏{‏منكن بفاحشة‏}‏ أي من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله أو غير ذلك ‏{‏مبينة‏}‏ أي واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ونشوز أو غير ذلك ‏{‏يضاعف لها العذاب‏}‏ أي بسبب ذلك، ولما هول الأمر بالمفاعلة في قراءة نافع المفهمة لأكثر من اثنين كما مضى في البقرة، سهله بقوله‏:‏ ‏{‏ضعفين‏}‏ أي بالنسبة إلى ما لغيرها لأن مقدارها لا يعشره مقدار غيرها كما جعل حد الحر ضعفي ما للعبد، وكما جعل أجرهن مرتين‏.‏

واشتد العتاب فيما بين الأحباب، وعلى قدر علو المقام يكون الملام، وبقدر النعمة تكون النقمة، وكل من بناء يضاعف للمجهول من باب المفاعلة أو التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو للفاعل بالنون عند ابن وكثير وابن عامر يدل على عظمته سبحانه، والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب بجعله عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه، وذلك كله إشارة إلى أن الأمور الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه، ولا يوجب شيء من الأشياء له حدوث شيء لم يكن، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏وكان ذلك‏}‏ أي مع كونه عظيماً عندكم ‏{‏على الله يسيراً *‏}‏ فهذا ناظر إلى مقام الجلال والكبرياء والعظمة‏.‏

ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي، أتبعه جلب المصالح الذي هو من طراز التحلي فقال‏:‏ ‏{‏ومن يقنت‏}‏ أي يخلص الطاعة، وتقدم توجيه قراءة يعقوب بالفوقانية على ما حكاه البغوي والأهوازي في الشواذ عن ابن مسلم ‏{‏منكن لله‏}‏ الذي هو أهل لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا أعظم منه بإدامة الطاعة فلا يخرج عن مراقبته أصلاً ‏{‏ورسوله‏}‏ فلا تغاضبه ولا تطلب منه شيئاً، ولا تختار عيشاً غير عيشه، فإنه يجب على كل أحد تصفية فكره، وتهدئه باله وسره، ليتمكن غاية التمكن من إنقاذ أوامرنا والقيام بما أرسلناه بسببه من رحمة العباد، بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد‏.‏

ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال‏:‏ ‏{‏وتعمل‏}‏ قرأها حمزة والكسائي بالتحتانية رداً على لفظ «من» حثاً لهن على منازل الرجال، وقراءة الجماعة بالفوقانية على معناها على الأصل مشيرة إلى الرفق بهن في عمل الجوارح والرضى بالمستطاع كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام‏:‏

«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وأما عمل القلب فلا رضى فيه بدون الغاية، فلذا كان «يقنت» مذكراً لا على شذوذ ‏{‏صالحاً‏}‏ أي في جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه ‏{‏نؤتها‏}‏ أي بما لنا من العظمة على قراءة الجماعة بالنون، وقراءة حمزة والكسائي بالتحتانية على أن الضمير لله ‏{‏أجرها مرتين‏}‏ أي بالنسبة إلى أجر غيرها من نساء بقية الناس ‏{‏وأعتدنا‏}‏ أي هيأنا بما لنا من العظمة وأحضرنا ‏{‏لها‏}‏ بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم المريد للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله مع ما في ذلك من توفير الحظ في الآخرة ‏{‏رزقاً كريماً *‏}‏ أي في الدنيا والآخرة، فلا شيء أكرم منه لأن ما في الدنيا منه يوفق لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب، ولا يخشى من أجله نوع عتاب فضلاً عن عقاب، وما في الآخرة منه لا يوصف ولا يحد، ولا نكد فيه بوجه أصلاً ولا كد‏.‏